النويري
146
نهاية الأرب في فنون الأدب
صديق لي من المسلمين . فقال : من هو ؟ فقالت : الكريدى . فصلَّب « 1 » على وجهه ، وقام فخرج من عندها . فمازالت تلك المرأة تتلطف به ، حتى تسحب المودة بيني وبينه . فصرت أهاديه ، حتى كان يبعث إلىّ كتب الأنبرور التي يبعثها إليه ، مختومة . وأرسل إليه ، فيكتب ما أقول . فأنا أدارى عن المسلمين بهذا القدر اليسير ، وأفدى به الخطير ، فإن الأنبرور لو جاء بغتة ، أسر من أهل الشام ، وساق من مواشيهم وأموالهم ما لا يحصى قيمته . وكان الملك المعظم - رحمه اللَّه - قد أمر الفقهاء أن يجرّدوا « 2 » له مذهب أبي حنيفة ، دون صاحبيه . فجّردوا له المذهب في عشر مجلَّدات ، وسماه التّذكرة . فكان لا يفارقه سفرا ولا حضرا ، ويديم مطالعته . ويكتب على كل مجلَّد : أنهاه - حفظا - عيسى بن أبي بكر بن أيوب . قال أبو المظفر : فقلت له : ربما تؤخذ عليك ، لأن أكبر مدرس في الشام يحفظ القدوري « 3 » مع تفرّغه ، وأنت مشغول بتدبير الملك . فقال : ليس الاعتبار بالألفاظ ، وإنما الاعتبار بالمعاني . باسم اللَّه ، سلوني عن جميع مسائلها
--> « 1 » أي رسم على وجهه إشارة الصليب . « 2 » أي بجردوا آراء أبي حنيفة وحده ، دون آراء صاحبيه : محمد وأبى يوسف ، وغيرهما . أي يجمعوها وحدها في مؤلف . « 3 » اسم كتاب مشهور من موجزات الفقه . على المذهب الحنفي .